فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
المعاصي ، ترك العمل به في القدر الذي امتنع عقلاً حصوله فيبقى متناولاً للآتي بجميع الأشياء التي يمكن الجمع بينها ، ومن المعلوم أن الجمع بين الكفر وغيره ممكن فتكون الآية مختصة به . المسألة الثانية : تمسك القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية فقالوا : تارك المأمور به عاص لقوله تعالى : * ( أفعصيت أمري ) * ( طه : 93 ) ، * ( لا يعصون الله ما أمرهم ) * ( التحريم : 6 ) ، * ( لا أعصي لك أمراً ) * ( الكهف : 69 ) والعاصي مستحق للعقاب لقوله : * ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً ) * . قوله تعالى * ( حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ) * . فإن قيل : ما الشيء الذي جعل ما بعد حتى غاية له ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أنه متعلق بقوله : * ( يكونون عليه لبداً ) * ( الجن : 19 ) والتقدير أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون ( عدده ) حتى إذا رأوا ما يوعدون من يوم بدر وإظهار الله له عليهم أو من يوم القيامة ، * ( فسيعلمون ) * أيهم أضعف ناصراً وأقل عدداً ، الثاني : أنه متعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده كأنه قيل : هؤلاء لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا كان كذا كان كذا ، واعلم أن نظير هذه الآية قوله في مريم : * ( حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة ) * ( مريم : 75 ) واعلم أن الكافر لا ناصر له ولا شفيع يوم القيامة على ما قال : * ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) * ( غافر : 18 ) * ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) * ( الأنبياء : 28 ) ويفر كل أحد منهم من صاحبه على ما قال : * ( يوم يفر المرء من أخيه ) * ( عبس : 34 ) إلى آخره : * ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) * ( الحج : 2 ) وأما المؤمنون فلهم العزة والكرامة والكثرة قال تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ، 24 ) والملك القدوس يسلم عليهم * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * فهناك يظهر أن القوة والعدد في جانب المؤمنين أو في جانب الكفار . * ( قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَداً ) * . قال مقاتل : لما سمعوا قوله : * ( حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً ) * ( الجن : 24 ) قال النضر بن الحرث : متى يكون هذا الذي توعدنا به ؟ فأنزل الله تعالى : * ( قل إن أدري أقريب ما توعدون ) * إلى آخره والمعنى أن وقوعه متيقن ، أما وقت وقوعه فغير معلوم ، وقوله : * ( أم يجعل له ربي أمداً ) * أي غاية وبعداً وهذا كقوله : * ( وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون ) * ( الأنبياء : 109 ) فإن قيل : أليس أنه قال : " بعثت أنا والساعة كهاتين " فكان عالماً بقرب وقوع القيامة ، فكيف قال : ههنا لا أدري أقريب أم بعيد ؟ قلنا : المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى ، فهذا القدر من القرب معلوم ،